حسن الأمين
281
مستدركات أعيان الشيعة
الجزار ولا بد لنا بعد ذلك من التعريف بأحمد باشا الجزار الذي جرى ما جرى على يديه من استشهاد ناصيف النصار وخراب جبل عامل وغير ذلك من الأحداث المرتبطة بجبل عامل وغير جبل عامل . وهو تعريف مكتوب بقلم : قسطنطين خمار : شهدت البلاد السورية في القرن الثامن عشر أحداثا مروعة وانتابتها ضروب من المظالم وصنوف من المآسي ، نتيجة لاستقلال بعض الولاة والحكام الاقطاعيين بالمقاطعات التي دانت لسلطانهم فعاثوا بها عتوا وبرعاياهم طغيانا . ذلك أن هؤلاء الولاة الذين كانت أولى واجباتهم فرض القانون وتطبيق النظام كانت كثرتهم من العجز الحربي والسياسي بمكان ، وكثيرا ما كانت الدولة العثمانية تغيرهم باستمرار فمنهم من لم يكن يمكث في الحكم أكثر من سنة أو سنتين فكان همهم الأكبر وشاغلهم الأوحد أن يجمعوا أكبر مقدار من المال يستطيعون ولذا لجئوا إلى سلب الرعية ممارسين أشد أنواع الظلم وأدهى صنوف الاستبداد فلا غرو أن شهدت البلاد في هذا القرن انهيارا في الأحوال الأمنية والاقتصادية وانحطاطا في حياة السكان كما كان من نتائج هذه الأوضاع السائدة ازدياد تدريجي في أهمية الشيوخ المحليين ، هذا عدا ان الاستبداد بحد ذاته من طبيعة الإنسان إذا لم يجد رادعا يردعه وحائلا يصده . وقد بلغ ( احمد باشا الجزار ) حاكم عكا والمسيطر على سائر البلاد السورية طوال الربع الأخير من القرن الثامن عشر القمة في ذلك وحلق فيه تحليقا ما عليه مزيد فبز جميع نظرائه قسوة وفاقهم طغيانا مالئا البلاد جورا والشعب رعبا حتى ضرب به المثل في القسوة على مر الأجيال التالية فقيل « أظلم من الجزار » . المولد والنشأة كان مولد الجزار في أوائل العقد الرابع من القرن الثامن عشر في إحدى قرى البوسنة - وقد نشا وترعرع فيها فتى شرس الأخلاق سئ السلوك ويروي انه ارتكب جرما اخلاقيا ، قيل إنه اغتصاب امرأة أخيه مما اضطره إلى الفرار من وجه ذويه طريدا شريدا حتى عاصمة السلطنة العثمانية ( الآستانة ) حيث عمل حمالا في الميناء ثم عاملا في الزوارق . ملاقيا أسوأ معاملة ، فاغتنم فرصة سانحة في رسو المركب الذي كان يعمل فيه في احدى موانئ الأناضول ، وفر منه عائدا إلى التسول آنا والسرقة حينا ، سائرا على غير هدى إلى أن باع نفسه أخيرا إلى نخاس يهودي صادف مروره في احدى الموانئ فضمه إلى ما كان قد ابتاعه من الأولاد وتوجه بالجميع إلى القاهرة حيث كانت سوق الرقيق رائجة وحكام مصر كلهم من المماليك . وهناك باعهم إلى تاجر آخر أسلم الجزار على يده وتسمى ( أحمد ) وكان قد أصبح شابا بهي الطلعة ، طويل القامة ، قوي العضلات ذا وجه مشرب بالحمرة . ولا ريب أن جميع هذه الأهوال التي قاساها وشظف العيش الذي صبغ حياته السابقة قد ولدت فيه عقدا انعكست فيما بعد ، عندما دانت له السلطة ، على تصرفاته من عتو واستبداد ومظالم وكأنه بذلك ينتقم من البشرية جمعاء . كانت مصر في هذه الفترة مسرحا لنزاعات مستمرة بين مماليك معظمهم رقيق مشترى في صغره ، حالهم كحاله لا تهدأ بينهم المعارك ولا تفتر المذابح بغية الوصول إلى الحكم والثروة ، لا يرعون في ذلك عهدا ولا دينا . وقد مكنته شجاعته الفائقة من الدخول في خدمة علي بك الكبير حاكم مصر وأعظم مماليكها شانا ، فنال رتبة ( البكوية ) ولشدة بطشه وفتكه ببدو إقليم ( البحيرة ) الذين أيدوا أحد خصوم علي بك أطلق عليه لقب ( الجزار ) فأصبح يدعى ( احمد بك الجزار ) . وأصبح الجلاد المفضل لدى سيده ممتهن قطع الرؤس . وكان هذا اللقب الجديد مدعاة فخر واعتزاز له وبات يشعر بنشوة هائلة كلما رأى رؤوس قتلاه تتدحرج ودماءهم تهرق . وأصبح اسمه عند الناس مرادفا للرعب ولازمه هذا اللقب طوال حياته ، وأغدقت عليه الأموال فأصبح يمتلك الخيل والسلاح والجواري الحسان ويقيم حفلات الأنس والطرب موزعا المآكل الشهية على فقراء الحي - الا أنه عندما رفض أمرا بقتل أحد المماليك - وكان له صديقا وتأكد من غضب علي بك عليه وعزمه على اعدامه ، فر من منزله متخفيا بلباس احدى جواريه حتى وصل احدى الموانئ فاستقل مركبا متوجها إلى الآستانة يعرض خدماته على الباب العالي وكان ذلك عام 1771 م وسنة آنذاك يقارب الأربعين ، إلا أن آماله خابت في الحصول على ما كانت نفسه تحدثه به من مكانة ، فولي وجهه شطر سورية ونزل في ضيافة الأمير يوسف الشهابي في دير القمر - وكانت شهرة بطشه وجبروته قد سبقته ، فحمله هذا الأمير كتاب توصية إلى عثمان باشا والي دمشق من قبل الباب العالي ، فجعله هذا الأخير قائدا لمفرزة من أربعين رجلا وسلمه ميناء بيروت فرمم أسوارها بهمة ونشاط فائقين وبنى فيها أبراجا عدة حتى منحه الأمير يوسف الشهابي لقب ( قائد أعلى ) - الا أنه لما كانت شيمته الغدر ، تحصن في بيروت وأغلق أبواب الأسوار دون الأمير يوسف وحرم عليه دخولها ، وزيادة في التهديد والوعيد قبض على رجلين من أتباع الأمير فقطع رأسيهما ثم اجلس كلا من الجثتين على خازوق ونصبهما على الأسوار وأجرى مذابح شنيعة في المدينة وفتنا طائفية حتى أرهب القوم لدرجة لم يعد يفكر بعدها أي منهم بالعصيان ، وبلغ من سخريته بسيده الأمير يوسف ان أمر بصنع ( فزاع ) على مثاله وعلقه على أحد أبواب المدينة ولما أخذ ببناء سور متين للميناء دفن عشرين رجلا احياء ضمن السور زاعما ان هذا يدعم البناء ومخرجا سواعد هؤلاء الضحايا من بين الأحجار عليها تصلح لربط السفن - الا انه أخذ يغدق الهبات على جنوده مشجعا إياهم على الشراب والعبث والفحشاء ، واهبا إياهم الآلات الموسيقية مبتهجا بآثامهم ، إذ ان معظمهم كان من الأشقياء والمجرمين وبذلك عم خطرهم وامتلأت المدينة منهم رعبا ودانوا له بالطاعة العمياء ، وقد نجح في حكم المدينة مدة عام واحد وكان سكانها في هذه الفترة لا يزيدون عن ستة آلاف نسمة . الصراع مع ظاهر العمر والواقع ان السلطنة العثمانية كانت بحاجة اليه لتنفيذ خططها بإعادة ( ايالة صيدا ) إلى الحكم المركزي الفعلي بعد ان قويت شوكة ظاهر العمر حاكم عكا لدرجة أن نفوذه وسلطانه كانا هما السائدين على هذه الإيالة ومعظم فلسطين . فوجدت في الجزار رجلا ذا بأس يمكنها الاعتماد عليه للحد من سيطرة ظاهر . ولكن خصوم الجزار تالبوا عليه وحاصر بيروت دروز الجبل بقيادة الأمير يوسف وساندهم في ذلك الأسطول الروسي بضرب المدينة وجعل في أسوارها ثغرات كثيرة ، ولما لم يتلق من الدولة العثمانية مساعدة عملية ووجد ان المدينة ساقطة لا محالة وأن أيامه باتت معدودة ، لجا إلى الدهاء والخديعة فأرسل من يبلغ ظاهر العمر انه يعترف بخصومته الشريفة وانه على أتم الاستعداد للانضمام اليه ضد قوى السلطنة العثمانية إذ أمنه وحاشيته ، وكان في أثناء ذلك قد أخرج من بيروت ، بطريقة سرية ، الأموال والأمتعة والتحف الثمينة التي كان الأمير يوسف قد ائتمنه عليها . ولما كان ظاهر العمر قد سمع بشدة مراس الجزار وشجاعة جنوده وبأسهم في القتال أجبر حلفاءه قادة الأسطول الروسي والجيوش المحاصرة على السماح للجزار وحاميته بمغادرة بيروت مع المحافظة على شرفها العسكري ، ودخل الأمير يوسف والروس المدينة فوجدوها خاوية على عروشها ، أما الجزار